محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )
66
الروض المعطار في خبر الأقطار
يطلب حسان من إفريقية المدائن والذهب والفضة والشجر ونحن إنما نريد منها المراعي والمزارع فما أرى لكم إلا خراب إفريقية ، فوجهت البربر يقطعون الشجر ويهدمون الحصون ، قالوا : وكانت إفريقية من طرابلس إلى طنجة ظلا واحدا وقرى متصلة فأخربت ذلك كله ، فخرج من النصارى ثلاثمائة رجل مستغيثين بحسان مما نزل بهم من الكاهنة من خراب الحصون وقطع الشجر ، وكان قد وجه إليه عبد الملك بن مروان يأمره بالنهوض إلى إفريقية قبل أن تخربها الكاهنة ، فوافق ذلك قدوم الروم عليه وقدوم رسول خالد ابن يزيد عليه ، فرجع بجميع عسكره إلى إفريقية ؛ فيقال إن الكاهنة خرجت ناشرة شعرها تقول : يا بني انظروا ما ذا ترون ، فقالوا : نرى شيئا من سحاب أحمر ، قالت : بلى وإلهي ما هو إلا رهج خيل العرب قد أقبلت إليكم ، ثم قالت لخالد بن يزيد الذي كانت أسرته : إنما كنت تبنيتك لمثل هذا اليوم ، أما أنا فمقتولة ولكن أوصيك بأخويك هذين خيرا ، تريد ولديها ، فانطلق بهما إلى العرب فخذ لهما أمانا . فانطلق بهما خالد بن يزيد فأخذ لهما أمانا ، ولقي حسان وهو مقبل يريد الكاهنة ، فوصل إلى قابس فلقيته الكاهنة ، وكانت مع حسان جماعة من البربر فولى عليهم الأكبر من ولدي الكاهنة وأكرمه وأقربه ، ولقيته الكاهنة في جيوش عظيمة فاقتتلوا فهزمهم اللّه تعالى ، وانهزمت الكاهنة تريد قلعة بشر لتتحصن بها فأصبحت القلعة لاصقة بالأرض فهربت تريد جبل أوراس ومعها صنم عظيم من خشب كانت تعبده يحمل بين يديها على جمل ، فتبعها حسان حتى قرب من موضعها ، فلما كان الليل قالت الكاهنة لابنيها : إني مقتولة وإن رأسي تركض به الدواب وتمضي به إلى المشرق من حيث تطلع الشمس وأراه موضوعا بين يدي ملك العرب الذي بعث الينا بهذا الرجل ، فقال لها خالد بن يزيد وولداها : فإذا كان الأمر هكذا عندك فارحلي وخلّي البلاد ، قالت : وكيف أفر وأنا ملكة والملوك لا تفر من الموت فأقلّد قومي عارا إلى آخر الدهر ، قالوا لها : أفلا تخافين على قومك ؟ قالت : إذا أنا مت فلا أبقى اللّه منهم أحدا في الدنيا ، فقال لها خالد بن يزيد وولداها : فما نحن صانعون ؟ فقالت : أما أنت يا خالد بن يزيد فستنال ملكا عظيما عند الملك الأعظم وأما أولادي فسيدركون بافريقية ملكا عظيما مع هذا الملك الذي يقتلني ، ثم قالت لهم : اركبوا فاستأمنوا إليه فركب خالد بن يزيد وولداها بالليل إلى حسان ، فلما أصبح حسان زحف إليها ، وأقبلت الكاهنة راجعة إليه فلقيت أعنة الخيل خالد وولديها فسلّموا عليهم ومضوا بهم إلى حسان فدخل ابن يزيد على حسان وأخبره بما قالت الكاهنة ، وأنها وجهت إليه بولديها فأمر بهما حسان فأدخلهما ووكّل بهما قوما ، وقدم خالد بن يزيد على أعنة الخيل ، فالتقى القوم ووضعوا السلاح بعضهم على بعض ووقع الصبر ، وانهزمت الكاهنة وقتلت عند بئر سماه الناس بئر الكاهنة إلى اليوم ، ويقال إنها قتلت عند طبرقة ، فنزل حسان على الموضع الذي قتلت فيه وعجب الناس من خلقها وكانت الأترجة تجري فيما بين عجيزتها وأكتافها . ثم إن الروم تحزبوا بعد ذلك وأجمعوا على قتال حسان فقاتلهم فهزمهم اللّه تعالى ، وخافته البربر فاستأمنوا إليه فلم يقبل منهم حتى أعطوه من جميع قبائلهم اثني عشر ألف فارس يكونون مع العرب فأجابوه وأسلموا على يديه ، وعقد لولدي الكاهنة بعد إسلامهما لكل واحد منهما ستة آلاف فارس من البربر ، وأخرجهم مع العرب يفتتحون إفريقية ويقتلون الروم ، فمن أجل ذلك صارت الخطط بافريقية للبربر فكان يقسم الفيء بينهم والأراضي ، وحسنت طاعتهم له ، فدانت له إفريقية ودوّن الدواوين . أوش « 1 » : من مدن فرغانة بينها وبين قبا عشرة فراسخ ، وهي مدينة عامرة ، وقهندزها عامر ودار الامارة والحبس في القهندز ، وعلى ربضها سور وهي ملاصقة للجبل الذي عليه مرقب الأتراك الذي تحرس منه ولها ثلاثة أبواب . أولية السهلة « 2 » : بالأندلس قريبة من قرطبة تعرف بالرملة وهي أم الأقاليم ، كثيرة الأهل واسعة الخطة مثمرة الأرضين ، بها ديار للعجم متقنة البنيان في إحداها أربع سوار مجزعة من نفيس الرخام في نهاية العظم والطول عليها الناقوس . أوريط « 3 » : مدينة قديمة بالأندلس كانت عظيمة مذكورة مع طليطلة ، وهي معها في حد واحد من مدن قسطنطين ، وإنما عمرت قلعة رباح وكركي بخراب أوريط .
--> ( 1 ) انظر ياقوت : ( أوش ) ، وابن حوقل : 420 . ( 2 ) بروفنسال : 34 ، والترجمة : 43 . ( 3 ) بروفنسال : 33 ، والترجمة : 42 ( Oreto ) .